تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
x

اليوم وغدا وكل يوم العمل يعني الأمل…

worker at the sewing workshop

 

تمر حياة المخيمات ثقيلة على أهلها وناسها، فالواقع الحالي قاسٍ ولا توجد ملامح زمنية لنهايته، ولا يملك النازحون أدوات كافية لصناعة المستقبل أو الثقة بأنه سيحمل في طياته الخلاص، ويبقى الشغل الشاغل لمعظم سكان المخيمات متمحورا حول تأمين لقمة كريمة للعيش.

هذا هو الحافز الذي دفع بمجموعة من السيدات للمشاركة في تدريب الخياطة في مخيمي الشيخ بحر وحربنوش في إدلب، فقد تم تأسيس هذا المشغل من قبل مؤسسة بناء للتنمية بهدف تمكين النساء ودعمهن بالمهارات اللازمة للعمل في المشغل أو تأسيس عملهن الخاص في المستقبل.

وعلى هذه الدرب تسير السيدة ندى الحمادة التي تعمل كمشرفة إدارية وفنية لمشغل الخياطة في كلا المخيمين، وتحاول تحقيق التوازن بين مسؤولياتها المنزلية ومهامها الإدارية في المشغل:

"من تحدياتي كامرأة هو التنسيق بين عملي ومسؤولياتي تجاه الأولاد والبيت… بحيث لا يكون العمل على حساب المنزل ولا العكس"، وتضيف: "العمل لا بد منه لنعيش.. وإجباري نتعود".

تؤدي السيدة ندى دورها الفني في المشغل بتدريب السيدات على استخدام ماكينات الخياطة الصناعية والتي تختلف عن الماكينة المنزلية التي اعتادت السيدات على استخدامها سابقا.

Sewing supervisor passing knowledge to colleague

تشرح الحمادة كيف أثر العمل في المشغل على حياتها وحياة بقية المستفيدات وتقول: "عم يكتسبوا خبرة على أنواع ماكينات جديدة.. وطبيعة عمل جديدة ما سبق أن عاشوها"، وتأمل بأن تساهم كمشرفة جيدة في تطوير خبرة السيدات في المشغل بمختلف أعمارهن من أجل تحقيق تغيير إيجابي لهن.

مثل بقية سكان المخيم، نزحت أماني (مستفيدة من المشروع) من قريتها معر دبسة إلى منطقة أريحا نتيجة للظروف الأمنية، عانت خلالها من البرد حتى استقرت أخيرا في مخيم العمران في حربنوش. تصف أماني رحلة النزوح بالقول:

"كنا عايشين 7 عوائل بخيمة واحدة، بعدها بفترة أخذنا أنا وأمي وبنتي خيمة السفينة (من أسوأ أنواع الخيم)، كان برد وتلج بكل مكان، ضلينا 25 يوم قاعدين بالمحلات.. وما في أي شي نتدفى فيه، بعدها رجعنا للخيم لحد ما سمعنا أنو تم إنشاء مخيم من قبل مؤسسة بناء... وسجلنا أسماءنا".

فُرجت أحوال أماني بعد انضمامها إلى مشروع الخياطة مع مؤسسة بناء، فلم تعد مضطرة للعمل الشاق في الأراضي الزراعية، وساعدها المشغل على توظيف خبراتها السابقة والحصول على رزق يعينها على العناية بأمها وابنتها، وقد عبرت عن فرحتها بالقول:

"إجت مؤسسة بناء وتبنت مشروع الخياطة وسجلنا أسماءنا، الصراحة انبسطت كتير لما وافقوا، صار عندي أمل وضعي يتحسن.. والدتي كبيرة ومريضة، وبنتي صغيرة من حقها قدم لها حياة منيحة… مشروع الخياطة قدم لي فرحة كبيرة". بالنسبة لأماني فقد أعطاها المشروع أملا بأن تتمكن من سداد الديون التي ترتبت عليها بسبب النزوح وتقول: "صرت بقدر ساعد نفسي وساعد والدتي… ووفّي الدين المترتب علينا".

أما حدوت حسين الحمود فقد نزحت من بيتها في ريف المعرة الشرقي بسبب القصف الشديد وسكنت بخيمة في منطقة شلخ قبل أن تصل إلى مخيم حربنوش، وتروي لنا صعوبات المعيشة والعمل فتقول: "قعدنا بخيمة بمنطقة شلّخ وبعدها نزحنا لمنطقة حربنوش… وانتقلنا للمخيم الذي أنشأته مؤسسة بناء، لم يكن عندنا دخل والمعيشة صعبة.. بدأت أعمل ببساتين الزيتون مقابل 8 ليرات تركية باليوم، لا تكفي لشراء حتى الخبز وزوجي ما بيقدر يقدم للبيت".

عملت "حدوت" بالخياطة لسنوات، وكانت تملك ماكينة خلفتها وراءها عندما نزحت، واليوم شكل الانضمام إلى مشروع الخياطة الذي أعلنت عنه مؤسسة بناء خلال جلسات التوعية، بارقة أمل لهذه السيدة وعائلتها، وقد عبرت عن ذلك بقولها: "خبرونا ضمن جلسات التوعية يلي بتقدمها المؤسسة في المخيم عن فرصة عمل بالخياطة وسجلت اسمي، أنا كنت أعمل بالخياطة من عشر سنين، بس الماكينة ضلت بالبيت متل أغراض البيت الباقية. إنشاء الله أمورنا تتحسن".

تتشابه قصص النازحين في المخيمات، فمنذ عام ونصف نزحت السيدة سهيلة حمام من قريتها جب كاس إلى منطقة حرينوش، في البداية اضطرت لتقاسم خيمتها مع عائلتين ضمن المخيم المزدحم فصارت الحياة أكثر صعوبة مع انعدام أي دخل أو فرصة عمل يمكن أن تفتح بيتا أو تعيل أطفالا. سهيلة فتحت قلبها لنا وقالت: "الحياة صارت أصعب هنا، لم يكن عندنا أي دخل للعائلة ولا يوجد عمل والمصروف كبير...كنا نترك الأولاد ونروح نشتغل من الصبح للمغرب". وجود ابنة مريضة زاد من حجم التحديات في وجه هذه العائلة، حيث تضيف قائلة: "أنا عندي بنت مريضة وعاجزة لازم اهتم فيها... ولكن ما استطعنا نبقى بدون عمل، صرنا نأخذ ابنتي معنا إلى البساتين تقعد تحت الشجر ونحن نشتغل بالزيتون".

تحسنت أحوال العائلة بعد أن قدمت مؤسسة بناء للتنمية خيمة مؤثثة ومازوت للتدفئة وفرصة للعمل ضمن مشروع الخياطة. "في جلسات التوعية اقترحوا علينا المشاركة بمشروع الخياطة"، تقول سهيلة، وتضيف: "تشجعت كتير ورحت سجلت، كتير شفنا مشروع الخياطة كويس… صار في راتب للعائلة والأولاد، مع التدريب صار عندي فكرة عن ماكينة الكهرباء وماكينة الحبكة". 

بفضل هذا المشروع تمكنت سهيلة من توظيف خبراتها السابقة واستعادة الثقة بقدرتها على المساهمة في صناعة مستقبل أفضل لعائلتها، وقد ختمت حديثها معنا بعبارة مليئة بالأمل:

"صار عندي مهنة.. إذا رجعت ع ضيعتي بقدر اشتغل لحالي".

في جميع مشاريع النقد مقابل العمل التي نفذتها مؤسسة بناء للتنمية في مخيمات الشمال السوري، اعتمدت المؤسسة معايير الكفاءة اللازمة لتنفيذ الأعمال المطلوبة، إضافة إلى دراسة احتياجات الأسر المستفيدة في الحالات التي يكون فيها المعيل عاطلا عن العمل، أو التي تعيلها نساء، أو تضم أشخاصاً ذوي إعاقة أو مسنين بين أفرادها. كما يتم توفير خبرات احترافية، وإدخال عناصر مهمة أخرى في برامج التدريب، مثل السلامة المهنية وشروط التباعد الاجتماعي في ظل تفشي جائحة كوفيد-19 وغيرها من متطلبات الوقاية والسلامة. 

كل هذه المعايير والعناصر والإجراءات هدفت إلى تحقيق أقصى قدر من النتائج الإيجابية من هذه المشاريع، والتأكد من أنها تلعب الدور المطلوب منها في تحسين واقع السكان وتمكينهم ومنحهم الأمل بمستقبل أفضل.

اليوم وغدا وكل يوم العمل يعني الأمل…