تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
x

العمل حياة: النقد مقابل العمل يعيد شيئاً من الاستقرار إلى حياة أم عبدو وعائلتها

أم عبدو أثناء عملها في الكتل

 

على الرغم من المعاناة المتواصلة التي تعرضت لها وظروفها التي لا ترحم، لم تفقد السيدة عائدة يوماً الأمل بتأمين حياة أفضل لها ولعائلتها. 

عائدة، أو أم عبدو كما يلقبها أهلها، هي زوجة وأم لخمسة أطفال، عانت مثل مئات الآلاف من المهجرين في الشمال السوري من ويلات الحرب ومشقات النزوح قبل أن تستقر بها الحال في مخيم مهجري كفرزيتا في شمال إدلب: تقول: "نزحنا في وقت اشتد فيه القصف على كفرزيتا، ولم نستطع تأمين أنفسنا بأي شيء.. خرجنا بملابسنا فقط، وصرنا نتنقل من مكان لآخر.. قصف، دمار وتشرد". 

لم تكن الأوضاع بالنسبة لهذه العائلة أفضل بأي حال عندما استقرت في المخيم. تضيف أم عبدو: "هي بالأصل ليست حياة.. الإنسان [هنا] محروم من كل شيء. لا يوجد دخل تعتاش منه، وإذا أردت شراء ربطة خبز لأولادك لن تستطيع ذلك".  

وتستطرد: "لا أستطيع شراء ثوب لأولادي.. لا نستطيع أن نؤمن لهم طبخة". 

من سيء إلى الأسوأ إذن، هكذا يمكن أن نصف الأوضاع التي تعيشها هذه العائلة، سيما وأن زوج أم عبدو مريض بدوره وبالكاد يستطيع العمل: "حتى لو وجد عملاً وخرج إليه، فإنه يعود مريضاً، ويبقى مريضاً ليومين أو ثلاثة".  

لكن الأوضاع بدأت تتغير قليلاً عندما قرأت أم عبدو ورقة معلقة على جدار في المخيم أعلنت فيها مؤسسة بناء للتنمية عن حاجتها لتوظيف سيدة للعمل في مجال تنظيف مرافق المخيم. تقول أم عبدو: "قرأت الإعلان ووجدت فيه رابط التقدم للوظيفة.. دخلت على الرابط.. وسجلت وانقبلت، الحمد لله رب العالمين". 

جاءت هذه الوظيفة ضمن برنامج النقد مقابل العمل الذي تقوم مؤسسة بناء بتطبيقه في مختلف مشاريعها وبرامجها في الشمال السوري والذي يحصل المهجرون من خلاله على فرص تأمين مصدر للدخل من خلال المشاركة في عمل له أثر مباشر على حياتهم وحياة مجتمعاتهم. 

بلهجتها المتميزة وعباراتها السريعة، تصف أم عبدو أهمية عملها الجديد قائلة:

"نحن هنا في المخيم، النظافة أول شيء.. خاصة في هذا الزمن الذي تنتشر فيه الأوبئة والأمراض". 

 وتضيف: "أخرج للعمل في الساعة 8… آخذ معي دلواً ومساحة ومنظفات.. أقوم بشطف الكتل وتنظيفها بشكل كامل" ثم تكرر هذه المهمة مرة أخرى عند منتصف النهار قبل أن تعود إلى بيتها.  

وعن إحساسها بقيمة العمل بالنسبة لها تضيف بحماسة: "أحسست بأني مفيدة لهذا المخيم وللمحيط الذي حولي.. أقوم بتنظيف الكتلة، لا أترك فيها وسخة واحدة ..  أنا عنصر فعال، ولي قيمة".. 

"صار عندي مدخول أستطيع [من خلاله] أن أدعم أولادي". 

أم عبدو تعمل في منزلها

تدير أم عبدو اليوم شؤون عائلتها بحسب إمكاناتها: "كله صعب.. هناك أشياء كثيرة نحن محرومون منها.. لكن الإنسان يجب أن يهون على نفسه.. أن يؤمن الضروري فالضروري". وهكذا تنظم ربة هذه الأسرة أولوياتها "حسب الراتب المخصص" وتضيف: "الإنسان عليه أن يحاول العيش". 

لكن العمل وفر لهذه السيدة شيئاً من الاستقرار: "العمل حياة.. إذا لم يكن عندك عمل ولم يكن عندك شيء، هذا اسمه موت.. المهم أن يجدّ الإنسان وأن يعمل ويحصل على مقابل.. اليوم أتمكن من إعانة بيتي وتحسين أموري .. وأقوم بتسديد ديوني.. ساترة حالي الحمد لله رب العالمين". 

والأهم، بلا شلك بالنسبة لأم عبدو "أنك بالبيت تلاقي خبزك.."  

لكن فكر أم عبدو لا يزال مشغولاً: "أفكر في هذ الوضع اللي وصلنا إليه، بيت لا سقف له. أفكر أنه في الشتاء يمكن أن يتمزق ويقع عليهم... أفكر أن أولادي صاروا شباباً، ويحتاجون للملابس".

نبرتها القلقة هذه لم تخل بدورها من الأمل: "أحلم بنهار يكون أفضل من النهار الذي مضى"، ومع ضحكة خجولة تستدرك: "يعني كل واحد يفكر في أولاده، وأنا أحلم بأن يكونوا أحسن الناس، أن يدرسوا وأن يكون في يدهم شيء".