تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
x

العمل والكرامة وجهان لعملة واحدة

عامل صيانة يقوم بتصليح باب في احد المخيمات

 

يقولون "صنعة في اليد أمان من الفقر"، و"لا أطيب من لقمة تأتيك من كد يمينك وعرق جبينك"، فإذا كان طلب المساعدة والعون أمراً مقبولاً في بعض الظروف، فإن العيش في حالة دائمة يعتمد فيها المرء على الإعانات والمساعدات يصبح أمراً في غاية الخطورة، ويتطلب تدخلاً مناسباً يزيل أسباب الحاجة، ويعيد توفير مصادر الرزق بطريقة تحافظ على كرامة الإنسان وتقديره لنفسه. 

انطلاقاً من هذا المبدأ، سعت مؤسسة بناء للتنمية، ضمن مبادرات النقد مقابل العمل التي نفذتها في مخيمات الشمال السوري، إلى إطلاق مجموعة من المشاريع الخدمية بهدف تحسين ظروف الحياة في المخيمات عبر توظيف الطاقات والإمكانيات البشرية المتوفرة بين السكان. وقد توزعت هذه المشاريع ما بين رصف الطرقات، وتوزيع المياه النظيفة، وبناء الحمامات والكتل وغير ذلك، ويتم تنفيذها جميعاً بسواعد سكان المخيمات من النازحين، وبالاستفادة من خبراتهم السابقة، وبمساعدة ودعم من مؤسسة بناء.

تحتاج المرافق والخدمات التي يتم إنشاؤها في المخيمات إلى صيانة دائمة، ولهذا الغرض قامت المؤسسة بتشكيل فرق عمل إضافية متخصصة في مجال الصيانة وهي تعمل اليوم في 143 مخيماً. 

طارق هو من النازحين الذين انتهى بهم المطاف في أحد هذه المخيمات، وقد غادر قريته "كفر عويد" في جبل الزاوية، ليستقر مع زوجته وأطفاله الستة في خيمة بمخيم "كللي" في ريف إدلب، حيث وصل إلى هنا بعد رحلة نزوح قاسية عانى فيها من كثرة التنقل يرويها بقوله: "خلال فترة النزوح واجهنا صعوبات كتيرة مادية ومعنوية… كنا ننتقل من مكان لمكان وكانت الأمور بشعة كتير.. إلى أن سكنا في هذه الخيمة". 

وكما هو حال جميع النازحين، لم تكن تجربة النزوح وترك البيت والقرية أمرا سهلاً بالنسبة لطارق، وقد ازدادت معاناته عندما اضطر للتنقل بين أماكن غريبة عنه وفي ظل ظروف صعبة للغاية، يوضح طارق: "بشكل عام الناس كلها عانت، وأنا من بينها عانيت كتير ماديا ومعنويا… النفسية غير مرتاحة... بعد ما انتقلت من قريتي إلى هنا مكان جديد ولست معتاد عليه وبدون أي شغل لا يوجد أي مصروف أو دخل لنعيش منه.. ممكن أن نشتغل يوم ونبقى بدون شغل أيام، والأجر لا يكفي إلا لشراء الخبز".

ظروف طارق تحسنت بشكل ملحوظ على الصعيدين المادي والمعنوي عندما تمت الموافقة على طلبه بالانضمام لأحد مشاريع "النقد مقابل العمل" التي تنفذها مؤسسة بناء. أثناء تصفحه للإنترنت قرأ طارق إعلانا عن فرصة عمل، ولم يتردد بتسجيل اسمه. يقول طارق: "عن طريق الصدفة وأنا أبحث في المجموعات مر علي رابط إعلان عمل في مجال التمديدات الصحية.. ولأنه نفس مجال عملي السابق قدمت على العمل والحمد لله حصلت على الموافقة". حيث قام فريق بناء بالتواصل مع طارق وإبلاغه بإمكانية الانضمام والمباشرة بالعمل في أقرب وقت.

اليوم، يؤدي طارق أعمال الصيانة في عدة مخيمات، ويلتزم بأداء واجباته بالتنسيق مع المشرفين المسؤولين في المخيمات: "أقوم بتنفيذ أعمال الصيانة في عدة مخيمات منها كفر عويد والكندوش وموريك"، ويوضح طريقة العمل: "أتواصل مساء مع المشرف المسؤول عن المخيم وأخبره أنني سأزور مخيمهم في اليوم التالي... أغادر البيت عند الساعة الثامنة صباحا تقريبا، وهناك ألتقي بالمشرف المسؤول الذي يذهب معي في جولة، يشرح لي التصليحات المطلوبة: ألواح، بطاريات أو أبواب…". تتم التصليحات ويتم توثيقها بالصور.

من خلال هذه الفرصة تغيرت حياة طارق، فقد بات لديه دافع حقيقي يحركه ويحثه على الاستيقاظ صباحا، الدخل المادي الذي بدأ يتقاضاه مقابل العمل منحه شعورا بالكرامة، وهو ما يصفه بكلماته البسيطة: "تغيرات مادية ومعنوية تركها العمل على حياتي.. صار في راتب ومدخول.. وشعرت بأن عندي التزامات، بدأت أنام باكرا كي أستطيع الاستيقاظ وأنا بكامل طاقتي ونشاطي…صرت حس حالي إنسان عندي عمل والتزامات".

حال طارق لا تختلف كثيرا عن حال الكثير من النازحين الذين شعروا بطعم مختلف للحياة عندما حصلوا على فرص للعمل، فمعظم الناس يستمدون قيمة وجودهم الإنساني من العمل والإنجاز، وهناك آلاف العائلات التي تبحث عن فرص جديدة بعد أن تركت وراءها كل شيء وهربت باحثة عن الأمان في ظل شجرة أو داخل سيارة أو بين أنقاض بيت مهدم أو داخل خيمة نزوح.

أحد هذه النماذج الناجحة يأتينا من داخل خيمة مكتظة عاش فيها شاب يدعى أحمد مع سبعة من أفراد عائلته. أحمد من أبناء قرية الدير الغربي في معرة النعمان، نزح مع عائلته جراء الحرب، وحمد الله كثيراً أن وجد خيمة يعيش فيها، فخيمة مكتظة آمنة خير من بيت معرض للقصف في أي لحظة. 

رغم ذلك فقد تردد أحمد كثيرا في اتخاذ قرار النزوح، وفي النهاية وجد نفسه مجبرا على ترك كل ممتلكاته وراءه ومغادرة بيته: "أعيش مع أفراد أسرتي السبعة في خيمة واحدة… واجهنا صعوبات كثيرة لأننا تأخرنا كثيرا في النزوح من القرية… ولما صار علينا قصف كتير تركنا كل شيء ورانا وما أخدنا معنا شي".

البداية كانت صعبة بشكل استثنائي والصعوبات كانت كبيرة بسبب اكتظاظ المخيم الذي وصلت إليه العائلة، وعدم وجود فرص للعمل يحصل من خلالها على رزق لعائلته، كحال بقية النازحين، يقول أحمد:

"واجهنا كتير صعوبات مع الأولاد وتأمين مصروف لهم… ومعروف هنا أنه بسبب الضغط السكاني من الصعب أن تجد عملا… كنا ندبر حالنا كل فترة.. نجد عمل لمدة من الزمن.. وندير أحوالنا حسب الوضع".

كان الأفق مسدودا بالنسبة لأحمد وعائلته، وكان غياب الفرص لكسب الرزق يشكل خطرا يهدد مستقبل هذه العائلة بشكل جدي، ولكن، عندما قرأ أحمد عن فرصة العمل ضمن فريق عمال الصيانة الذي شكلته مؤسسة بناء، بادر بالتقدم مستغلا خبرته في مجال التمديدات الصحية والكهربائية، ويعتقد أنه كان محظوظا الحصول على الموافقة فيقول: "قدمنا عن طريق الرابط… قام المشرف على المخيم بالإعلان عن وجود مسابقة نقدم عليها… ألصق الإعلانات على الخزانات وجدران الكتل… والحمد لله رزقنا الله بهذه الوظيفة". 

عامل صيانة يتوجه إلى أحد المرافق في المخيم

الأعمال التي تنفذها فرق الصيانة تستمر بشكل يومي، حيث يعمل أحمد وطارق إلى جانب عشرات الشباب في عدة مخيمات بالتنسيق مع المشرفين، فيحرصون على تفقد المرافق والتحقق من سلامتها وجاهزيتها للعمل. ويوضح أحمد مزيدا من جوانب عمل الفريق قائلاً:

"طبيعة عملي هي ذاتها التي كنت أعمل بها في قريتي… نقوم بتفقد الكتل في الحمامات في عدة مخيمات، نقوم بصيانتها… حنفيات، أبواب، نتفقد البطاريات، لا نترك أي شيء.. نتفادى الأعطال… حتى الأرضيات إذا وجدنا صرف صحي ظاهر نقوم بردمه تجنبا للروائح… والحمد لله أمورنا ميسرة".

يؤثر العمل بشكل إيجابي على حياة الإنسان، وإذا كان ضمن فريق يقدم خدمات مهمة وأساسية للناس، ويساهم في الوقت نفسه في توفير دخل معقول لصاحبه، فإنه سيكون سببا في تغيير حقيقي يطال الحالة النفسية والمادية، فليس سهلا على الإنسان أن يجلس بلا عمل. يصف أحمد حاله قائلا:

"الشعور جيد الحمد لله… طبيعة الإنسان تحتاج للعمل، والرجل إذا اضطر للبقاء بدون عمل تكون أموره صعبة سواء في البيت أو خارجه… ونفسيته تكون سيئة. بعد أن بدأنا بالعمل تحسنت أمورنا كلها وتيسرت أحوالنا بفضل الله". 

هذا التحسن في حياة النازحين هو ما تعمل من أجله مؤسسة بناء للتنمية، من خلال مشاريع "النقد مقابل العمل" التي تمكنت من إحياء جذوة الأمل في قلوب الناس، والحفاظ على رغبتهم بالاستمرار والعمل من أجل مستقبلهم ومستقبل أبنائهم.