تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
x

الشيخ والمخيم.. تبحيص الأرض يعيد الحيوية لمعمر سوري

الشيخ العبد الله أمام خيمته يقرأ القرآن

 

تخفي مصاعب التهجير في طياتها تجربة نفسية واجتماعية صعبة يظن المرء بأنها تنتهي بمجرد الخروج من المنطقة المعرضة للقصف، لكن الهارب سرعان ما يكتشف أن ما حدث معه ليس سوى بداية لمصاعب من نوع آخر، فالتهجير والهروب الذي بدى في البداية مؤقتاً سرعان ما يتحول إلى نزوح دائم.  

هذا ما حدث مع غالبية المهجرين في الشمال السوري والذين وجدوا أنفسهم مضطرين لبدء حياتهم من الصفر، في بيت مستأجر أو مخيم مخصص للمهجرين، مع ما يحيط بذلك من مصاعب، خاصة في المخيمات التي يجري بناؤها على عجل في الأراضي الزراعية والمناطق الخالية. 

 

تحدثنا خلال جولة في مخيم "بسينا" بريف إدلب مع شيخ معمر يدعى أحمد العبد الله، سألناه عن حياته في المخيم، فأجابنا: "بنوا لنا حمامات… لكن كنت أخاف من الذهاب إلى هناك في الليل"، ويوضح: "أنا رجل كبير في السن أخاف الوقوع.. والتعرض للكسر". وباعتباره يحتاج إلى زيارة الحمام ليلاً، ربما أكثر من مرة، كان الخيار الوحيد المتاح للشيخ المسن أن يصطحب معه شخصاً آخر للمساعدة: "الأرض وحل وطين.. كان أولادي أو ابنتي يذهبون معي".

الشيخ العبد الله متحدثاً مع أحد أعضاء فريق بناء

عادة ما تتابع منظمة بناء أوضاع مخيمات المهجرين في مناطق ريف إدلب وتستطلع أوضاع سكانها للتحقق من إمكانية تقديم المساعدة. فرق الاستطلاع تتوجه إلى المناطق التي تصل منها معلومات عن وجود حاجات معينة، بعضها يتعلق بالمخيمات الموحلة، أو الطرقات الوعرة، أو الخيام المعرضة للفيضانات، أو مشاكل تراكم النفايات، وغيرها من المشاكل التي يعاني منها السكان.  

هذا ما جرى في مخيم "بسينا" الذي يعيش فيه الشيخ أحمد، حيث قامت المؤسسة بتنفيذ مشروع لتبحيص طرقات المخيم (مد الطرقات بالبحص) بهدف تسهيل الحركة وحل مشكلة تراكم الطين وفيضان المياه مع بدء فصل الشتاء.      

بالأصل كان هذا المخيم أرضاً زراعية، يوضح لنا محدثنا: "عندما وصلنا كانت الأرض مزروعة شعير"، لذلك كان من السهل أن تتحول هذه الأرض إلى مساحات طينية موحلة بمجرد هطول بعض المطر. 

ويضيف، معبراً بامتنان بالغ عن التغيير الذي طرأ بعد استكمال تبحيص المخيم: "الآن أذهب لوحدي.. والوضع صار أحسن.. أنهض في الليل.. أشعل البيل (المصباح اليدوي)، أذهب إلى الحمام".  

بفضل التبحيص تمكن الشيخ أيضاً من العودة إلى ممارسة نشاطه اليومي المعتاد: "صباحاً أمشي خمس أو ست مرات"، يقول ذلك وهو يشير بيده الطويلة باتجاه أطراف المخيم، مضيفاً: "من قبل كان الوضع صعب، لم أكن أتحرك أبداً"، ويؤكد" "قدموا لنا خدمة لا يوجد أفضل منها... جزاهم الله خيراً".

"من قبل كان الوضع صعب، لم أكن أتحرك أبداً.. قدموا لنا خدمة لا يوجد أفضل منها... جزاهم الله خيراً". - الشيخ أحمد العبد الله 

الشيخ العبد الله يمارس نشاط المشي يوميا

يأتي هذا المشروع ضمن باقة من المشاريع التي أطلقتها مؤسسة بناء للتنمية لمساعدة المهجرين في المخيمات على مواجهة ظروف فصل الشتاء القاسية، وبالنسبة لمخيم "بسينا" تحديداً، وبالإضافة إلى مشروع التبحيص، تقوم المؤسسة بتعبيد الطرقات وتوفير عوازل للخيام وحمايتها من الفيضانات الشتوية، ويقدر عدد الأسر المستفيدة من هذا المشروع بـ 10 آلاف أسرة تضم نحو 50 ألف فرد يعيشون في 47 مخيماً.

اليوم وبفضل هذه المشروعات، باتت الظروف أفضل وتراجعت معاناة السكان مع الوحل والطين وأصبح التنقل من مكان لآخر ممكناً دون الخوض في الأوحال بكل ما يتسبب به ذلك من مصاعب كانت تؤثر أيضاً على نظافة المخيم والخيام من الداخل والخارج. 

بقامته الفارعة وابتسامته اللطيفة وقف الشيخ أحمد العبد الله يودعنا، غادرنا المخيم ونحن متحمسون لمزيد من العمل، فالتغيير اللافت الذي طرأ على هذا الرجل المسن، وحياة عشرات الآلاف من المهجرين، هو ما يشد من عزيمة العاملين في مؤسسة بناء للتنمية ويدفع فرقها وكوادرها إلى العمل على متابعة احتياجات المهجرين والمخيمات، ودراسة احتياجاتهم وتأمين الخدمات الأساسية لهم.

الشيخ العبد الله في خيمته