تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
x

راما ومجمعها السكني

مجمع راما السكني الجديد من الأعلى

 

تمثل المصاعب حافزاً لولادة الأفكار والمشاريع وللبحث عن سبل لمواجهة التحديات، فكل من يشاهد المخيمات، والمهجرين العالقين في خيام لا تقيهم حر الصيف ولا ترد عنهم برد الشتاء، يشعر بأن الوضع لا يحتمل الانتظار أو التأجيل، وأن شيئاً ما يجب فعله فوراً. هكذا ولدت فكرة مجمع راما السكني التي أطلقها فريق غراس النهضة بالتعاون مع مؤسسة بناء للتنمية، والهدف هو بناء مجمع يوفر السكن الكريم والآمن لخمسين عائلة من العائلات المهجرة في شمال سوريا، وليكون خطوة أولى باتجاه حلول دائمة.

منذ البداية، شكل تأمين الكلفة العالية لتنفيذ المشروع تحدياً هائلاً، ولهذا الغرض، وبعد جولات من العصف الفكري وصراع الاقتراحات جاءت الفكرة المطلوبة، حيث قامت المنظمتان المشتركتان وهما "غراس النهضة" و"بناء للتنمية" بإطلاق حملة لجمع تبرعات بقيمة 200$ للسهم الواحد في الوحدة السكنية، وصولاً إلى 2,000$ للوحدة السكنية الكاملة.

حققت الحملة التي جرى إطلاقها بداية العام 2021 إقبالاً لافتاً، إذ كان بإمكان كل شخص المساهمة بشكل فعال وحقيقي في حل أزمة كبيرة من خلال مبلغ بسيط نسبياً، مبلغ يمكن زيادته بحسب إمكانيات كل مساهم. 

استناداً إلى ذلك، جرى تصميم المجمع وفق المعايير النظامية، وتم اختيار الموقع ليكون بجوار شبكة الطرق العامة في منطقة حارم قرب الحدود السورية التركية، حيث أنشئت شبكة للطرق الداخلية ونصبت أعمدة للإنارة الشمسية ومُدت شبكتان للصرف الصحي وتصريف المياه.

تألف كل منزل من غرفتين مع المرافق (حمام ومطبخ مستقل) بمساحة تبلغ 42 م2، بحيث يناسب عائلة من 5 أفراد.

تم تصميم هذه الوحدات الصغيرة بحيث تصبح منازل حقيقية بكل المعايير، حيث بنيت أسقفها من البيتون، كما تم تجهيزها بالتمديدات الكهربائية الأساسية وأنابيب المياه والصرف، وحرص المنفذون على تأمين مساحة كافية بين المنازل تمنح الأطفال مكاناً آمناً للعب، كما جرى تخصيص مساحة خاصة لإنشاء حديقة في موقع مناسب وسط المجمع.

فُرشت أرضية المجمع بالحصى منعاً لتشكل الأوحال، وجرى تزويدها بقنوات تمنع تجمع مياه الأمطار.

اختيار المستفيدين جرى وفق معايير عادلة ومناسبة، وقامت منظمة "غراس النهضة" بتوقيع عقود رسمية معهم تحدد طبيعة هذه العلاقة وشروطها، فيما تولت مؤسسة "بناء" الجانب الهندسي والإنشائي. انطلقت أعمال الإنشاء في الموقع منتصف عام 2021، ومع حلول منتصف الشهر الماضي كانت جميع مراحل البناء والإكساء في المجمع قد اكتملت، وبدأت بعدها مرحلة التسليم، حيث تسلم رب كل أسرة مفاتيح منزله الجديد، وجرى تحديد موعد الانتقال للمجمع وجرى اختيار لجنة من الأهالي للإدارة.

بالنسبة للسكان الجدد، فإن يوم الإثنين، 31 يناير 2022، كان يوماً مميز للغاية، فهو التاريخ الذي انتقلت فيه خمسون عائلة مهجرة من حياة الخيام الصعبة إلى مساكنها الجديدة بعد معاناة استمرت لسنوات. 

Binaa Teams assisting residents to move to their new houses
سوريا، ريف إدلب، 2022. جانب من عملية نقل العائلات إلى الوحدات السكنية الجديدة في مجمع راما السكني.

 

نجاح المشروع جاء بفضل تضافر جهود عدد كبير من الأطراف على رأسها المتبرعون والمساهمون والأهالي الذين كان لإسهاماتهم ودعمهم الدور الأبرز في إنجاز هذا العمل. ولا شك بأن الدعم الكبير الذي حظي به المجمع يمثل دليلاً على أن هذا النوع من المشاريع المستدامة يعتبر أولوية حقيقية بالنسبة للسكان ويضع حداً لمعاناتهم. 

وأخيراً لا بد من الإشارة إلى السبب وراء تسمية المجمع السكني باسم "راما". إنها شابة سورية تعرضت للاختطاف من أمام منزلها في دمشق عام 2012، ولا تزال مفقودة ومجهولة المصير حتى اليوم. راما والتي ستكمل 36 عاما بعد شهرين، عرفت بين أقرانها وعائلتها بأنها شعلة من النشاط والمحبة، وكانت من المساهمين في تأسيس منظمة غراس وعملت فيها إلى حين اختفائها، وقد تم إطلاق اسمها على المجمع تقديراً لجهودها. 

لا شيء يمكن أن يوصل هذا المشروع إلى نهايته الحقيقية، سوى أن يحتفل أهالي هذا المجمع بزيارة تقوم بها "راما" بعد انتهاء محنة خطفها، وأن يستقبلها السكان ويباركوا لها الحرية ولجميع المختفين والمخطوفين والغائبين.