تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
x

من الآخر… لا حياة بدون عمل

Tareq heading to his work in the morning

 كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته.

وأب لستة أطفال هو راع يحمل مسؤولية كبيرة، فكيف إذا كان نازحا يعيش في الفقر الشديد.

طارق هو واحد من هؤلاء النازحين، غادر قرية كفر عويد في جبل الزاوية، ويعيش حاليا مع زوجته وأطفاله الستة في خيمة في كللي بعد رحلة نزوح قاسية عانى فيها من كثرة التنقل يرويها لنا بالقول: "فترة النزوح واجهنا صعوبات كتيرة مادية ومعنوية… كنا ننتقل من مكان لمكان وكانت الأمور بشعة كتير إلى أن سكننا في هذه الخيمة". 

ليس من السهل على الإنسان أن يترك بيته وقريته التي نشأ فيها ليعيش في خيمة في مكان غريب، لتزداد المعاناة بسبب هذه الحال يضيف طارق ويقول: "بشكل عام الناس كلها عانت، وأنا من بينها عانيت كتير ماديا ومعنويا… النفسية غير مرتاحة... بعد ما انتقلت من قريتي إلى هنا مكان جديد ولست معتاد عليه وبدون أي شغل لا يوجد أي مصروف أو دخل لنعيش منه.. ممكن أن نشتغل يوم ونبقى بدون شغل أيام، والأجر لا يكفي إلا لشراء الخبز".

لكن ظروف طارق تحسنت على الصعيدين المادي والمعنوي عندما تمت الموافقة على طلبه بالانضمام إلى فريق عمال الصيانة في المخيمات، كجزء من مشاريع النقد مقابل العمل التي تنفذها مؤسسة بناء للتنمية في مخيمات النازحين في الشمال السوري. 

علم طارق بوجود فرصة العمل من خلال الإنترنت، فلم يتردد بتسجيل اسمه، وخاصة أنه كان يعمل سابقا في مجال التمديدات الصحية والكهربائية، وبعد فترة تواصل معه أعضاء فريق مؤسسة بناء للتنمية لإبلاغه بإمكانية انضمامه إلى فريق عمال الصيانة. يقول طارق: "عن طريق الصدفة وأنا أبحث في المجموعات مر علي الرابط الذي فيه الإعلان، للعمل في التمديدات والصحية ولأنه نفس مجال عملي السابق قدمت على العمل والحمد لله حصلت على الموافقة". 

يؤدي طارق أعمال الصيانة في عدة مخيمات، ويلتزم بأداء واجباته بشكل يومي بالتنسيق مع المشرفين المسؤولين في هذه المخيمات، ويشرح ترتيب المهام التي يقوم بها قائلا: "أقوم بتنفيذ أعمال الصيانة في عدة مخيمات في كفر عويد، الكندوش وموريك، أتواصل مساء مع المشرف المسؤول عن المخيم وأخبره أنني سأزور مخيمهم في اليوم التالي... أغادر البيت الساعة 8 صباحا تقريبا، وهناك ألتقي بالمشرف المسؤول الذي يذهب معي في جولة، يشرح لي التصليحات المطلوبة ألواح، بطاريات أو أبواب... عندما أعود للبيت في المساء أرفع الصور للمشرف وبعدها أحملها على الدرايف… هذا هو ترتيب العمل".

من خلال هذه الفرصة تغيرت حياة طارق وصار عنده دافع يستيقظ من أجله صباحا، كما بات يحصل على دخل مادي يمنحه شعورا بالكرامة، وبكلمات بسيطة يصف حالته بالقول:

"تغيرات مادية ومعنوية تركها العمل على حياتي، مادية صار في راتب ومدخول، ومعنوية شعرت بأني عندي التزامات، بدأت أنام باكرا كي أستطيع الاستيقاظ وأنا بكامل طاقتي ونشاطي…صرت حس حالي إنسان عندي عمل والتزامات".

حال طارق لا تختلف كثيرا عن حال الكثير من النازحين، الذين شعروا بطعم مختلف للحياة عندما حصلوا على فرصة للعمل في المبادرات التي نفذتها مؤسسة بناء للتنمية، فمعظم الناس يستمدون قيمة وجودهم الإنساني من خلال العمل والإنجاز.

 

من طبيعة الإنسان حاجته للعمل:

لا تنتهي القصص في المخيمات، تختلف في بعض التفاصيل ولكنها تروي نفس الحكاية...

عائلات تركت كل شيء وراءها وهامت على وجهها تبحث عن الأمان تحت ظل شجرة أو سيارة، بيت مهدم أو خيمة كلها نعمة ما دامت سقفا لن يسقط على رؤوسهم.

من قرية الدير الغربي في معرة النعمان، نزح أحمد مع عائلته المكونة من سبعة أفراد، حمد الله كثيرا أنه وجد خيمة يعيش فيها، ولا بأس إن كانت مكتظة فهي دار آمنة بعيدا عن القصف. 

أحمد الذي تردد كثيرا في اتخاذ قرار النزوح، وجد نفسه مجبرا على ترك كل ممتلكاته وراءه ومغادرة بيته يصف حاله بالقول: "أعيش مع أفراد أسرتي السبعة في خيمة واحدة… خلال فترة النزوح واجهنا صعوبات كثيرة لأننا تأخرنا كثيرا في النزوح من القرية… ولما صار علينا قصف كتير تركنا كل شيء ورانا وما أخدنا شي معنا".

لم تكن البداية سهلة، والصعوبات كانت كبيرة وخاصة بسبب اكتظاظ المخيم الذي يعيش فيه أحمد، وعدم وجود فرص للعمل يحصل من خلالها على رزق لعائلته الأمر الذي يشكل واحد من أكبر التحديات التي يواجهها النازحون ومنهم أحمد الذي مر بذات التجربة فيقول:

"واجهتنا كتير صعوبات مع الأولاد وتأمين مصروف لهم… ومعروف هنا أنه بسبب الضغط السكاني من الصعب أن تجد عملا… كنا ندبر حالنا كل فترة نجد عملا لمدة من الزمن وندير أحوالنا حسب الوضع".

ولأن العمل من بديهيات الحياة الكريمة التي يستحقها كل إنسان، تضمنت المشاريع التي أطلقتها مؤسسة بناء للتنمية تأمين فرص العمل للنازحين في مخيمات الشمال السوري، لتلعب دورا في تحسين ظروف المخيمات من خلال استثمار الطاقات البشرية المتوفرة في المخيمات، من خلال مبادرات النقد مقابل العمل.

لهذا الغرض تم إنشاء فريق عمال الصيانة الذي انضم إليه أحمد الذي لم يتردد في التقدم للوظيفة، خاصة أنها تتناسب مع خبراته السابقة في أعمال التمديدات الصحية والكهربائية، وكان محظوظا أنه حصل على الموافقة فيقول: "قدمنا عن طريق الرابط… قام المشرف على المخيم بالإعلان عن وجود مسابقة نقدم عليها… ألصق الإعلانات على الخزانات وجدران الكتل… والحمد لله رزقنا الله بهذه الوظيفة". 

يذهب أحمد إلى عمله كل يوم منذ الصباح، ينفذ أعمال الصيانة في عدة مخيمات بالتنسيق مع مشرفي المخيمات، ويحرص على تفقد الكتل في الحمامات وصنابير المياه فيها، ويشعر بالفخر أنه يعمل في نفس مجال عمله السابق ويشرح عمله بالقول: "كل يوم صباحا نذهب للدوام… طبيعة عملي هي ذاتها التي كنت أعمل بها في قريتي… نقوم بتفقد الكتل في الحمامات في عدة مخيمات، نقوم بصيانتها… حنفيات، أبواب، ونتقد البطاريات لا نترك أي شيء، ونتفادى الأعطال… حتى الأرضيات إذا وجدنا صرف صحي ظاهر نقوم بردمه تجنبا للروائح… والحمد لله أمورنا ميسرة".

ترك البدء بالعمل ضمن الفريق أثرا واضحا على حياة أحمد، فتحسنت حالته النفسية والمادية، فليس سهلا على الإنسان أن يجلس بلا عمل. يصف أحمد حاله قائلا:

"الشعور كويس الحمد لله… طبيعة الإنسان تحتاج للعمل، والرجل إذا اضطر للبقاء بدون عمل تكون أموره صعبة سواء في البيت أو خارجه… ونفسيته تكون سيئة. بعد أن بدأنا بالعمل تحسنت أمورنا كلها وتيسرت أحوالنا بفضل الله".

هذا التحسن في حياة النازحين هو ما تعمل من أجله مؤسسة بناء للتنمية، فإذا بقيت جذوة الأمل حية في قلوب الناس وجدوا سببا يحيون من أجله ويعملون من أجله، ولكن هذه الجذوة تحتاج إلى رعاية ودعم دائم تتشارك جميع الأطراف المسؤولية في الحفاظ عليها.