تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
x

سكان مخيمات الشمال السوري يضعون حداً لمعاناتهم مع القمامة

احد عمال النظافة يقوم بتنظيف طرقات المخيم

 

تشكيل فرق للنظافة من سكان المخيمات ضمن برنامج النقد مقابل العمل   

كومة هنا وكومة هناك، وإينما أشحت بوجهك ستلاحقك الرائحة الكريهة. تتراكم المزيد من أكياس القمامة يومياً، وتعلو الكومة فوق الأخرى حتى تصبح جبلا: المكان هو مخيمات الشمال السوري حيث يتزاحم السكان في بقعة صغيرة من الأرض وفي ظروف تفتقر إلى أدنى شروط الحياة المدنية. الخدمات شحيحة والناس يفتقرون إلى الخبرة والإمكانيات اللازمة للتعامل مع هذه الظروف، والنتيجة: ظروف كارثية تنعكس آثارها على حياة جميع السكان وصحتهم. 

الأطفال هم أبرز ضحايا هذا التردي الكبير في شروط النظافة فهم أول من يقع فريسة الأمراض التي تأتي بها الحشرات والقوارض التي تتكاثر بسبب النفايات المتراكمة، في الوقت الذي تتفشى فيها العديد من الأمراض بين السكان بما فيها أمراض الجهاز التنفسي مثل الربو، وأمراض الجهاز الهضمي، والإسهال، ناهيك عن الأمراض الجلدية مثل الأكزيما واللشمانيا.

في محاولة لإيجاد حل لهذه المشاكل، بادرت مؤسسة بناء للتنمية بالاستعانة بمجموعة من سكان المخيم للعمل ضمن مشروع جمع القمامة وترحيلها، حيث جرى تعيين 434 عامل نظافة في 143 مخيما بهدف تحسين شروط النظافة في هذه المخميات، كما يروي لنا المنسق الميداني في المؤسسة السيد فراس أحمد:

"مشكلات المخيم من دون وجود عمال النظافة… تراكم القمامة ونقص مواد التنظيف يؤدي إلى أمراض مزمنة وأمراض جلدية وهضمية وتنفسية، ولهذا فقد كان لتحسين النظافة دور كبير في تخفيف المعاناة في المخيمات، حيث يقوم عمال النظافة بشكل يومي ودوري بتنظيف المخيم وجمع القمامة ووضعها في الأماكن المخصصة لها مما أدى إلى انخفاض انتشار الأمراض". 

مع هذه المبادرة تنفس الجميع الصعداء ولا سيما عمال النظافة الذين حصلوا على فرصة للعمل والمساهمة في تحسين حياتهم وحياة مجتمعهم. من بين هؤلاء السيد إبراهيم وليد الرحمن، وهو نازح من معرة النعمان يعيش مع أولاده الستة في مخيم نجم الدين أربكان ويعمل ضمن فريق عمال النظافة في المخيم. يقول إبراهيم:

"عانينا كثيراً ومرت علينا صعوبات كبيرة.الوضع المعيشي كان تحت الصفر، لا شغل ولا أي شي، نستدين المال من هنا لنغطي [مصاريفنا] هناك، يعني متل كل سكان هذه المناطق، ولكن عايشين… ونبقى نحمد الله".

إبراهيم تحدث أيضا عن كثرة النفايات وانتشارها العشوائي مضيفا أن "كل واحد كان يتركها [أي النفايات] في أي مكان يريده وهذا أثر كثيراً على الوضع الصحي، صار عندنا كثير من الأمراض في المخيم، أمراض جلدية وتنفسية، وصار يوجد الكثير من حب اللشمانيا، بالإضافة لكورونا وتوابعها، وكمان النفايات لها رائحة كريهة جدا، يعني الوضع كان مأساوي".

تجربة السيد محمد خطاب الذي يعمل أيضا ضمن فرق النظافة جاءت مشابهة. محمد نازح من ريف إدلب استقر مع أولاده الثمانية في مخيم "كللي" ليفاجأ بدوره بالحالة المأساوية في المخيم: "كل شي كان على التراب، قعدنا ونمنا على التراب، الأوساخ ملأت كل مكان والأولاد يمرضون دائماً، لا توجد نظافة أبدا، ولم تكن هناك أي جهة تتابع وتدير المخيم والأمراض كانت كثيرة".  

بالنسبة لمؤسسة بناء، لم يكن ترك هذه المشكلة دون اتخاذ الإجراءات اللازمة لحلها خياراً، ولذلك قامت المؤسسة باعتماد منهجية النقد مقابل العمل ضمن المخيمات التي تديرها في الشمال السوري، وأطلقت مجموعة من المبادرات لتحسين الظروف المعيشية لسكان المخيمات، من بينها العمل لتحسين الخدمات العامة كالنظافة، وتوريد المياه الصالحة للشرب، وشفط الجور الفنية، وتشغيل ورشات صيانة دورية للحمامات، وإطلاق حملات التوعية الصحية، بالإضافة إلى مشروع ترحيل القمامة الصلبة. كل هذا جرى من خلال توظيف واستثمار جهود السكان لتنفيذ هذه الأعمال، حسب ما يذكر لنا السيد فراس أحمد فيقول: "تبحث مؤسسة بناء دائماً عن الحلول المناسبة للخروج بالنازحين والمجتمعات المضيفة من الظروف السيئة التي يعيشون فيها، أو تحسين مستوى حياتهم قدر الإمكان من خلال تطبيق برنامج النقد مقابل العمل، فتقوم بتوفير فرص عمل لائقة للعائلات التي تحتاج للعمل، بحيث تساهم فرص العمل هذه في توفير خدمات مناسبة للمجتمعات المضيفة ومخيمات الشمال السوري". 

عمال النظافة يقومون بترحيل القمامة إلى خارج أحد المخيمات

عملت منظمة بناء على توظيف إمكانيات سكان المخيم من خلال الإعلان عن فتح باب التوظيف، وكان السيد إبراهيم وليد الرحمن أحد المتقدمين لفرصة العمل:

"تقدمنا للعمل عن طريق الرابط ونجحنا والحمد لله، لأن الحياة بدون شغل كانت مأساوية، لا تستطيع أن تؤمن لأسرتك أي شي ولا تحضر أي شي، حتى مقومات الحياة غير موجودة. يعني صارت الرفاهية أن يقدر الإنسان يجيب على الأقل نصف ربطة خبز بيعيش أولاده، المشكلة بدون عمل ما في أي سيولة في الجيب يعني لا عمل ولا مردود". 

كذلك الحال بالنسبة للسيد محمد خطاب، فقد كان من بين الذين تم اختيارهم للعمل ضمن فرق النظافة: "تقدمنا للعمل وتم الأمر بنجاح وتوظفنا والحمد لله رب العالمين يعني تحسنت أوضاعنا شوي، هو الراتب لا يكفي لأن الغلاء كبير، ولكن صار الوضع أحسن". ويضيف: "دوامنا يبدأ الساعة 8 حتى الساعة 4، في الصباح ننطلق للعمل، نلم القمامة وتأتي سيارة الترحيل وتأخذها إلى المكب، نحن ننظف أي شي يسقط منها من أكياس أو بقايا أوساخ، نلمها نكنسها ونضعها في البراميل، يعني نحافظ على المخيم نظيفاً على خير ما يرام". 

بحسب خطاب فإن التغيير الذي طرأ على حياة السكان والأوضاع في المخيم واضح للعيان: "كانت الناس تشتكي من القمامة والأوساخ، منظر الشارع صار نظيفاً ونحن لا نترك أي مشكلة تعاني منها الناس نهائيا. المخيم كله صار نظيفاً ومع شفط الجور وتأمين المياه النظيفة تغير حال المخيم... النظافة من الإيمان.. الآن تطلع إلى الشارع فتجده نظيفاً، برميل القمامة نظيف وصار لا يمتلئ أكتر من نصفه، وحوله [المكان] أيضاً نظيف كل يوم، راحت كل الأمراض".

العمل شرف وكرامة للإنسان ومن دونه لا تتحقق الحياة الكريمة، والضائقة التي يعيشها سكان المخيمات قاسية بكل جوانبها وتلقي بظلالها على الجميع، وكل جهد ولو كان بسيطا فإنه يشكل متنفسا يحتاج إليه الكثيرون، وعلى هذا الأساس قامت مبادرات مشروع النقد مقابل العمل، لأن الجميع يحتاج للمساعدة والجميع يملك القدرة على المساهمة في حل المشاكل إلى أن تتحقق أمنية سكان مخيمات الشمال السوري بالعودة إلى منازلهم.