تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
x

آمال بالفرج تغذيها مبادرات تذلل الصعاب

عمال الرصف يعملون ضمن مشروع النقد مقابل العمل

بهمة عالية وحلول بخدمة الجميع… مخيمات مرصوفة بسواعد شبابها

عندما نتحدث عن النازحين السوريين فإننا نتحدث عن سلسلة من العذابات والمعاناة، تبدأ بالرعب من أهوال الحرب والقصف، مرورا بترك شقى العمر وراءك والهرب أملا بنجاتك ونجاة أبنائك، في رحلة نزوح عنوانها التشرد والتعب والقهر، وصولا إلى حياة المخيمات العشوائية بكل ما تحمله معها من ذل وعذاب.

تم تأسيس مخيمات الشمال السوري بأيدي سكانها المعدمين، على أمل الحصول على سقف يؤويهم ولو كان قماشا مهترئا لا يرد عنهم برد الشتاء وأمطاره ولا حر الصيف وحشراته، وأما مرافقه فتخلو من أبسط مظاهر المدنية، وخاصة الطرقات التي تتجمع فيها مياه الأمطار لتتحول بعدها إلى مستنقعات من الوحل تجعل حركة السكان مغامرة قد لا تحمد عقباها.

هؤلاء النازحون فقدوا كل شيء، أعمال كانوا يسترزقون بها سواء كانت أرضا زراعية وفيرة الخير والرزق، أو حرفة تطعم الأبناء بكرامة وعزة، وجد نفسه بين ليلة وضحاها شريدا لا يلوي على شيء، فاقدا للحيلة عاجزا عن تأمين أبسط متطلبات عائلته للعيش الكريم، وإن كان ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ولكن عندما يعجز عن توفيره يصبح أغلى من الذهب.

ضمن هذه الرؤية أطلقت مؤسسة بناء مجموعة من المشاريع في مخيمات الشمال السوري لتخفيف شيء من العبء الذي يتحمله سكان هذه المخيمات، فمن خلال مبادرة النقد مقابل العمل، قادت المنظمة عملية تفعيل الموارد والطاقات البشرية المتوفرة في المخيم، لتصبح عنصرا فعالا ومساهما في تحسين ظروف الحياة وجعلها تليق بحياة الإنسان.

جاء مشروع رصف الطرقات كواحد من أهم مشاريع النقد مقابل العمل التي تم تنفيذها في ثلاثة مخيمات، شملت هذه الأعمال مخيم بحورتا في ريف حلب التي بدأ تنفيذ المشروع فيها بتاريخ 01-10-2020 لينتهي بتاريخ 30-04-2021 ساهم في تنفيذه 18 عاملا، إضافة إلى مخيمي الأمل والجبل في ريف إدلب والتي بدأت فيها الأعمال بتاريخ 31-01-2021 وانتهت بتاريخ 06-31-2021 والتي وصل عدد العمال فيها إلى 107 عامل.

عمليات الرصف تمت بسواعد العمال من سكان هذه المخيمات، الذين تم اختيارهم من أصحاب الخبرة في مجالات مشابهة إلى حد ما، وبعد اجتياز العمال لفترة التدريب على التعامل مع أدوات العمل ومواده بدأ العمل على قدم وساق في هذه المخيمات حيث تم رصف مساحة 4100 م² و4600 م² في مخيم مربع الأمل إضافة إلى مساحة رصف بلغت 14000 م² في مخيم الجبل.

السيد أحمد نازح من قرية معر دبسة في ريف سراقب الجنوبي، وهو أحد المستفيدين من مشروع الرصف في مخيم الجبل في منطقة الشيخ بحر.

قبل النزوح كان أحمد يعمل في مجال البلاط وكانت أدوات عمله هي الممتلكات التي حرص على إنقاذها معه عندما غادر قريته، على أمل أن تكون عونا له على العوز والحاجة، ولهذا فقد كان أحمد سعيدا للحصول على فرصة عمل في هذا المشروع، خاصة أنه يملك خبرة سابقة في هذا المجال فلم يتردد في تقديم الطلب الذي تمت الموافقة عليه من قبل المنظمة، يقول أحمد:

"بسبب النزوح تراجعت أحوالنا كثيرا، ورصف الطرقات قريب من مجال عملي وله علاقة بالبلاط، سيعطيني خبرة إضافية مفيدة بالنسبة لي".

وكذلك السيد محمد، من أهالي قرية تل دباس نازح من معرة النعمان في محافظة إدلب، الذي وصلت به رحلة نزوحه إلى مخيم الجبل برفقة عائلته المكونة من 12 فردا. اشتد القصف على قريته فترك شقى عمره وراءه وهرب لعله ينجو بحياته وحياة عائلته.

في قريته كان محمد يعمل في البناء بالحجر والبلوك، وتمكن من العمل في مشروع الرصف الذي أبلغه عنه أحد أقربائه من سكان المخيم، حيث يقول محمد: "قدمت طلبين إلى المنظمة… الأول هو طلب الانتقال إلى هذا المخيم، والثاني هو طلب الانضمام للعمل في مشروع الرصف والحمد لله جاءني القبول للإثنين" ولأول مرة منذ زمن شعر محمد بأن الحظ يبتسم له، فالحياة في مخيم الجبل كانت تعد مقبولة إلى حد ما كما أنه بحاجة ماسة للعمل الأمر الذي يوضحه محمد بقوله:

"أنا كنت في حاجة شديدة للعمل من أجل تأمين مصروف لأسرتي الكبيرة.. وأيضاً العمل قريب من عملي الأساسي فأنا كنت معلم بناء"

مثل غالبية المشاريع التي تنفذها المؤسسة يأتي مشروع رصف طرقات المخيم تلبية لحاجة حيوية، وتهدف إلى تحسين مستوى الحياة والخدمات في المخيم وتخليص سكانه من المعاناة التي تتجدد مع كل شتاء، وهنا يقول أحمد: "عملية الرصف ستخفف الكثير من المعاناة، ففي الشتاء تمطر بشدة، تمطر بشكل غريب هنا في هذه المنطقة… وتتجمع المياه في الطرقات ولا يقدر الأولاد على الخروج من الخيمة، وعندما تتسرب إلى الخيم تخرب كل شيء فيها.."

بالتأكيد تغيرت ملامح الحياة في المخيم بعد عمليات الرصف، فقد تخلصت الطرق من الوحل والطين ومياه الأمطار المتجمعة، حيث يصف لنا محمد كيف كان الوضع في المخيم ويقول: "كنا ما نقدر نطلع من الخيمة بسبب الطين والوحل، حتى الجهة التي كانت تحضر لنا مياه الشرب كانت ما تقبل أن تأتي إلى هذا المخيم بسبب الطرقات الموحلة، ولكن الآن الحمد لله صارت تمام والخدمات موجودة كلها" 

عمال الرصف في بناء يرصفون مخيمهم

الأمل بالعودة إلى الديار، وأن هذا النزوح هو مرحلة مؤقتة ستنتهي في وقت قريب هو ما يخفف عن النازحين الأعباء التي يتحملونها في المخيمات، وبالنسبة لأحمد فإن ذلك يعني بأنه عندما يعود إلى قريته سيجني ثمار الخبرات التي حصل عليها من التدريب والعمل في مشروع الرصف حيث يشرح لنا: "إذا بيوم من الأيام إن شاء الله رجعنا إلى بيوتنا، وسنرجع بإذنه تعالى، سيكون هناك عمل كثير في البلاط وجلي البلاط يعني تكون مصدرا للرزق إن شاء الله لأن كثيرا من البيوت ستحتاج إلى إصلاح". 

ورغم أن المشاركين في العمل كانوا من أصحاب الخبرة في أعمال البناء والبلاط سابقا، فقد حصلوا على دورة تدريبية لاستخدام الأدوات والمعدات إضافة إلى التدريب على إجراءات السلامة وقواعدها في العمل، ويشعر محمد بأهمية هذا التدريب والمعلومات والخبرة التي اكتسبها في عمله ويضيف:

" بهذه الفرصة أخدنا خبرة جديدة في هذا العمل بتعلم مهارات للتعامل مع الحجارة ورصفها أكيد ستكون مفيدة في المستقبل، فالإنسان يبقى طوال عمره يتعلم". 

نجحت مبادرات منظمة بناء في توفير مجموعة من الحاجات والخدمات الأساسية استفاد منها حتى اليوم عشرات الآلاف من سكان مخيمات الشمال السوري، بدءاً من توزيع الخبز ومياه الشرب النظيفة ووقود التدفئة، ووصولا إلى خدمات التنظيف وجمع القمامة، ورصف الطرقات. 

من خلال مشاريع النقد مقابل العمل التي نفذتها منظمة بناء في مخيمات الشمال السوري، تمكنت من توفير مجموعة من فرص العمل للنازحين. وقد غير مشروع رصف المخيمات ملامح الحياة فيها بشكل شعر به الجميع على حد سواء العاملين في المشروع وما تركه من تحسن في ظروفهم المادية، وسكان المخيم والحالة التي أصبحت عليها طرقات المخيمات.

الإبقاء على جذوة الأمل في القلوب هو ما تعمل من أجله منظمة بناء، أمل بأن الشقاء لن يدوم وأن هناك أناسا تبذل جهودا كبيرة لتخفيف الأعباء التي أجبر النازحون على تحملها بسبب ظروف النزوح القاسية، ولكن يبقى الأمل الأكبر والنور في نهاية هذا النفق المظلم هو أن يلتم شملهم بقراهم وبيوتهم بكرامة وعزة.